أبي المعالي القونوي
52
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
لا تظهر في الحسّ ظهورا يرتفع عنها به حكم كونها معقولة ، وتفيد « 1 » أيضا - أعني هذه النسبة الباطنة العلميّة النوريّة - معرفة عينها ووحدتها وأصلها الذي هو الحقّ ونسب هويّته التي هي أسماؤه الأصليّة ، أو قل : شؤونه - وهو الأصحّ - ومعرفة تمييز بعضها من بعض وما هو منها فرع تابع ، وأصل متبوع ؛ وكذلك تفيد معرفة الحقائق المتعلّقة بالموادّ والنسب التركيبيّة وما لا تعلّق له بمادّة ولا شيء من المركّبات ، وما يختصّ بالحقّ من الأحكام ويصحّ نسبتها إليه ، وما يخصّ العالم « 2 » وينسب إليه ، وما يقع فيه الاشتراك بنسبتين مختلفتين . هذا إلى غير ذلك من التفاصيل التابعة لما ذكر . فصور الموجودات نسب ظاهر النور ، والمعلومات المعقولة هي تعيّنات نسبه « 3 » الباطنة التي هي أعيان الممكنات الثابتة ، والحقائق الأسمائيّة الكلّيّة وتوابعها من الأسماء . فالعالم بمجموع صوره المحسوسة وحقائقه الغيبيّة المعقولة ، أشعّة نور الحقّ ، أو قل : نسب علمه ، أو صور أحواله ، أو تعدّدات تعلّقاته ، أو تعيّنات تجليّاته في أحواله المسمّاة من وجه أعيانا ، فظاهر « 4 » العلم صورة النور ، وباطنه المذكور معنى النور ، غير أنّ ظهور صورة النور توقّف على امتياز الاسم « الظاهر » بسائر توابعه المنضافة إليه عن معنى النور ، فصار الباطن بما فيه متجلّيا ومنطبعا في مرآة مّا ظهر منه . وهكذا كلّ نسبة من نسب ما ظهر مرآة لنسبة مّا من النسب الباطنة النوريّة العلميّة ، مع أحديّة الذات الجامعة لسائر النسب الباطنة والظاهرة وقد أخبر الحقّ سبحانه أنّه : نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 5 » ، ثم ذكر الأمثلة والتفاصيل المتعيّنة بالمظاهر على نحو ما تقتضيه مراتبها كما سبق التنبيه عليه ؛ ثم قال في آخر الآية : نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ « 6 » فأضاف النور إلى نفسه مع أنّه عين النور ، وجعل نوره المضاف إلى العالم الأعلى والأسفل هاديا إلى معرفة نوره المطلق ، ودالّا عليه ، كما جعل المصباح والمشكاة والشجرة وغيرها من الأمثال هاديا إلى نوره المقيّد وتجلّياته المتعيّنة في مراتب مظاهره ، وعرّف
--> ( 1 ) . ق : تقيد . ( 2 ) . ب : يختص بالعالم . ( 3 ) . ق : لنسبه . ( 4 ) . س : فالظاهر . ( 5 ) . النور ( 24 ) الآية 35 . ( 6 ) . النور ( 24 ) الآية 35 .